عرض مشاركة واحدة
قديم 05-01-2012, 09:57 PM   #15
nermine
مشرفة منتدى الأعمال
الصورة الرمزية nermine

المعلومات





آحدث المواضيع
الاتصال

nermine غير متصل

nermine is on a distinguished road
افتراضي رد: قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

وقوله:

{فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ***1649;لبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي***1764; إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـ***1648;نِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ***1649;لْيَوْمَ إِنسِيّاً } (سورة مريم :26) .


وهذا من تمام كلام الذي نادها من تحتها قال:

{فَكُلِي وَ***1649;شْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ***1649;لبَشَرِ أَحَداً } (سورة مريم :26) .



أي: فإن رأيت أحداً من الناس (فقولي) له أي: بلسان الحال والإشارة (إني نذرت للرحمن صوماً) أي: صمتاً، وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام، ويدل على ذلك قوله: (فلن أكلم اليوم إنسياً) فأما في شريعتنا فيكره للصائم صمت يوم إلي الليل.

وقوله تعالى:

{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ ي***1648;مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } * {ي***1648;أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ***1649;مْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } (سورة مريم:27ـ28)


ذكر كثير من السلف ممن ينقل عن أهل الكتاب أنهم لما افتقدوها من بين أظهرهم ذهبوا في طلبها، فمروا على محلتها والأنوار حولها، فلما واجهوها وجدوا معها ولد فقالوا له: (لقد جئت شيئاً فريا) أي: أمراً عظيماً منكراً، وفي هذا الذي قالوه نظر، مع أنه كلام ينقض أوله آخره، وذلك لأن ظاهر سياق القرآن العظيم يدل على أنها حملته بنفسها وأتت به قومها وهي تحمله، قال ابن عباس: وذلك بعد ما تعالت من نفاسها بعد أربعين يوماً. والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها (قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فريا) والفرية: هي الفعلة المنكرة العظيمة من الفعال والمقال.

ثم قالوا لها: (يا أخت هارون) قيل: شبهوها بعابد من عباد زمانهم كانت تسامية في العبادة، وكان اسمه هارون، قاله سعيد بن جبير، وقيل: أرادوا بهارون أخا موسى شبهوها به في العبادة، وأخطأ محمد كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى وهارون نسباً، فإن بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفي على أدنى من عنده من العلم ما يرده عن هذا القول الفظيع، وكأنه غره أن في التوراة أن مريم أخت موسى وهارون ضربت بالدف يوم نجى الله موسى وقومه وأغرق فرعون وملأه، فاعتقد أن هذه هي هذه.

وهذا في غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح مع نص القرآن، كما قررناه في التفسير مطولاً، ولله الحمد والمنة. وقد ورد في الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هارون، وليس في ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها، والله أعلم. قالوا: (ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا) أي: لست من بيت هذه شيمتهم ولا سجيتهم ولا أخوك ولا أمك ولا أبوك، فاتهموها بالفاحشة العظمى ورموها بالداهية الدهياء. فذكر ابن جرير في تاريخه أنهم اتهموا بها زكريا وأرادوا قتله ففر منهم فلحقوه، وقد انشقت له الشجرة فدخلها، وأمسك إبليس بطرف ردائه فنشروه فيها كما قدمنا ومن المنافقين من اتهمها بابن خالها يوسف بن يعقوب النجار.
فلما ضاق الحال وانحصر المجال وامتنع المقال، عظم التوكل على ذي الجلال، ولم يبق إلا الإخلاص والاتكال،

(فأشارت إليه) أي: خاطبوه وكلموه، فإن جوابكم عليه وما تبغون من الكلام لديه، فعندها: (قالوا) من كان منهم جباراً شقياً: (كيف نكلم من كان في المهد صبياً) أي: كيف تحيليننا في الجواب على صبي صغير لا يقبل الخطاب، وهو مع ذلك رضيع في مهده، ولا يميز بين مخض المخض وزبده، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء والتنقص والازدراء إذ لا تردين علينا قولاً منطقيا، بل تحيلين في الجواب على من كان في المهد صبياً فعندها:

{قَالَ إِنِّي عَبْدُ ***1649;للَّهِ آتَانِيَ ***1649;لْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً } * {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِ***1649;لصَّلاَةِ وَ***1649;لزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً } * {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً } * {وَ***1649;لسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً } (سورة مريم:30ـ33) .



هذه أول كلام تفوه به عيسى ابن مريم، فكان أول ما تكلم به أن (قال إني عبد الله) اعترف لربه تعالى بالعبودية، وأن الله ربه، فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله، بل هو عبده ورسوله وابن أمته، ثم برأ أمه مما نسبه إليها الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله: (آتاني الكتاب وجعلني نبياً) فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا، لعنهم الله وقبحهم، كما قال تعالى:

{ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى***1648; مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً } (سورة النساء:156) .



وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا: إنها حملت به من زني في زمن الحيض، لعنهم الله، فبرأها الله من ذلك، وأخبر عنها أنها صديقة، واتخذ ولدها نبياً مرسلاً أحد أولى العزم الخمسة الكبار، ولهذا قال: (وجعلني مباركاً أين ما كنت) وذلك أنه حيث كان دعا إلي عبادة الله وحده لا شريك له، ونزه جنابه عن النقص والعيب من اتخاذ الولد والصاحبة تعالى وتقدس: (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً)، وهذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد بالصلاة، والإحساس إلي الخليقة بالزكاة، وهي تشتمل على طهارة النفوس من الأخلاق الرذيلة وتطهير الأموال الجزيلة بالعطية للمحاويج على اختلاف الأصناف، وقرى الأضياف، والنفقات على الزوجات والأرقاء والقرابات، وسائر وجوه الطاعات وأنواع القربات.

ثم قال: (وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً) أي: وجعلني برا بوالدتي، وذلك أنه تأكد حقها عليه لتمحض جهتها إذ لا والد له سواها، فسبحان من خلق الخليقة، وبرأها، وأعطى كل نفس هداها (ولم يجعلني جباراً شقياً) أي: لست بفظ ولا غليظ، ولا يصدر مني قول ولا فعل ينافي أمر الله وطاعته. (والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً) وهذه المواطن الثلاثة التي تقدم الكلام عليها في قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام.

ثم لما ذكر تعالى قصته على الجلية وبين أمره ووضحه وشرحه قال:

{ ذ***1648;لِكَ عِيسَى ***1649;بْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ***1649;لْحَقِّ ***1649;لَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ } * { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى***1648; أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ }( سورة مريم :34-35) .

كما قال تعالى بعد ذكر قصته وما كان من أمره في آل عمران:


كما قال تعالى بعد ذكر قصته وما كان من أمره في آل عمران:

ذ***1648;لِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَ***1649;لذِّكْرِ ***1649;لْحَكِيمِ } * { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى***1648; عِندَ ***1649;للَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } * { ***1649;لْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ***1649;لْمُمْتَرِينَ } * { فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ***1649;لْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ***1649;للَّهِ عَلَى ***1649;لْكَاذِبِينَ } * { إِنَّ هَـ***1648;ذَا لَهُوَ ***1649;لْقَصَصُ ***1649;لْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـ***1648;هٍ إِلاَّ ***1649;للَّهُ وَإِنَّ ***1649;للَّهَ لَهُوَ ***1649;لْعَزِيزُ ***1649;لْحَكِيمُ } * { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ***1649;للَّهَ عَلِيمٌ بِ***1649;لْمُفْسِدِينَ } (سورة آل عمران:58ـ63) .




ولهذا لما قدم وفد نجران وكانوا ستين راكباً يرجع أمرهم إلي أربعة عشر منهم ويثول أمر الجميع إلي ثلاثة هم أشرافهم وساداتهم، وهم العاقب والسيد وأبو حارثة بن علقمة، فجعلوا يناظرون في أمر المسيح، فأنزل الله صدر سورة آل عمران في ذلك، وبين أمر المسيح ابتداء من خلقه وخلق أمه من قبله، وأمر رسوله بأن يباهلهم إن لم يستجيبوا له ويتبعوه، فلما رأوا عينيها وأذنيها نكلوا ونكصوا، وامتنعوا عن المباهلة، وعدلوا إلي المسالمة والموادعة، وقال قائلهم وهو العاقب عبد المسيح: يا معشر النصارى لقد علمتم أن محمداً لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لا عن قوم نبياً قط فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنها للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلي بلادكم، فطلبوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يضرب عليهم جزية وأن يبعث معهم رجلاً أميناً، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح.

والمقصود أن الله تعالى بين أمر المسيح فقال لرسوله:

{ ذ***1648;لِكَ عِيسَى ***1649;بْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ***1649;لْحَقِّ ***1649;لَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ } (سورة مريم : 34 ).



يعني: من أنه عبد مخلوق من امرأة من عباد الله، ولهذا قال:

{ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى***1648; أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ }( سورة مريم :35) .


أي: لا يعجزه شيء ولا يكترثه ولا يئوده، بل هو القدير الفعال لما يشاء

{ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } (سورة يس: 82) .

وقوله:

{ وَإِنَّ ***1649;للَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَ***1649;عْبُدُوهُ هَـ***1648;ذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } (سورة مريم: 36) .



هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد، أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه وإلههم، وأن هذا هو الصراط المستقيم قال الله تعالى:

{ فَ***1649;خْتَلَفَ ***1649;لأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } (سورة مريم: 37) .


أي: فاختلف أهل ذلك الزمان ومن بعدهم فيه. فمن قائل من اليهود: إنه ولد زنية، واستمروا على كفرهم وعنادهم. وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا: هو الله، وقال آخرون: هو ابن الله.

وقال المؤمنون: هو عبد الله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلي مريم وروح منه، وهؤلاء هم الناجون المثابون، والمؤيدون المنصورون، ومن خالفهم في شيء من هذه القيود فهم الكافرون الضالون الجاهلون، وقد توعدهم العلي العظيم الحكيم العليم بقوله:

{ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } (سورة مريم:37) .

قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، وأنبأنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن هانئ، حدثني جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلي مريم وروح منه، والجنة الحق، والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل"

منشأ عيسى ابن مريم عليهما السلام

ولد ببيت لحم قريباً من بيت المقدس. وزعم وهب بن منبه أنه ولد بمصر، وأمه مريم سافرت هي ويوسف بن يعقوب النجار وهي راكبة على حمار ليس بينهما وبين الإكاف شيء. وهذا لا يصح،والحديث الذي تقدم ذكره دليل على أن مولده كان ببيت لحم، كما ذكرناه، ومهما عارضه فباطل.

وذكر وهب بن منبه أنه لما ولد خرت الأصنام يومئذ في مشارق الأرض ومغاربها، وأن الشياطين حارت في سبب ذلك، حتى كشف لهم إبليس الكبير أمر عيسى، فوجدوه في حجر أمه والملائكة محدقة به، وأنه ظهر نجم عظيم في السماء، وأن ملك الفرس أشفق من ظهوره، فسأل الكهنة عن ذلك فقالوا: هذا لمولد عظيم في الأرض، فبعث رسله ومعهم ذهب ومر ولبان هدية إلي عيسى، فلما قدموا الشام سألهم ملكها عما أقدمهم فذكروا له ذلك، فسأل عن ذلك الوقت فإذا قد ولد فيه عيسى ابن مريم ببيت المقدس، واشتهر أمره بسبب كلامه في المهد، فأرسلهم إليه بما معهم وأرسل معهم من يعرفه له ليتوصل إلي قتله إذا انصرفوا عنه، فلما وصلوا إلي مريم بالهدايا ورجعوا قيل لها: إن رسل ملك الشام إنما جاءوا ليقتلوا ولدك، فاحتملته فذهبت به إلي مصر، فأقامت به حتى بلغ عمره اثنتى عشرة سنة، وظهرت عليه كرامات ومعجزات في حال صغره، فذكر منها أن الدهقان الذي نزلوا عنده افتقد مالاً من داره، وكانت داره لا يسكنها إلا الفقراء والمحاويج فلم يدر من أخذها، وعز ذلك على مريم عليها السلام، وشق على الناس وعلى رب المنزل وأعياهم أمرها، فلما رأى عيسى عليه السلام ذلك عمد إلي رجل أعمى وآخر مقعد من جملة من هو منقطع إليه، فقال للأعمى: احمل هذا المقعد وانهض به، فقال: إني لا أستطيع ذلك، فقال: بلى كما فعلت أنت وهي حين أخذتما هذا المال من تلك الكوة من الدار، فلما قال ذلك صدقاه فيما قال، وأتيا بالمال، فعظم عيسى في عين الناس، وهو صغير جداً.

ومن ذلك أن ابن الدهقان عمل ضيافة للناس بسبب طهور أولاده، فلما اجتمع الناس وأطعمهم، ثم أراد أن يسقيهم شراباً، يعني خمراً، كما كانوا يصنعون في ذلك الزمان، لم يجد في جراره شيئاً فشق ذلك عليه، فلما رأى عيسى من ذلك منه قام فجعل يمر على تلك الجرار ويمر يده على أفواهها فلا يفعل بجرة منها ذلك إلا امتلأت شراباً من خيار الشراب، فتعجب الناس من ذلك جداً، وعظموه، وعرضوا عليه وعلى أمه مالاً جزيلاً فلم يقبلاه، وارتحلا قاصدين بيت المقدس، والله أعلم

أن أبي هريرة قال: إن عيسى ابن مريم أول ما أطلق الله لسانه بعد الكلام الذي تكلم به وهو طفل، فمجد الله تمجيداً لم تسمع الآذان بمثله، لم يدع شمساً ولا قمراً ولا جبلاً ولا نهراً ولا عيناً إلا ذكره في تمجيده، فقال:

اللهم أنت القريب في علوك، المتعالي في دنوك، الرفيع على كل شيء من خلقك، أنت الذي خلقت سبعاً في الهواء بكلماتك مستويات طباقاً، وأجبن وهن دخان من فرقك فأتين طائعات لأمرك، فيهن ملائكتك يسبحون قدسك لتقديسك، وجعلت فيهن نوراً على سواد الظلام، وضياء من ضوء الشمس بالنهار، وجعلت فيهن الرعد المسبح بحمدك، فبعزتك يجلو ضوء ظلمتك، وجعلت فيهم مصابيح يهتدي بهن في الظلمات الحيران.

فتباركت اللهم في مفطور سماواتك وفيما دحوت من أرضك دحوتها على الماء فمسكتها على تيار الموج الغامر، فأذللتها إذلال المتظاهر، فذل لطاعتك صعبها، واستحيا لأمرك أمرها وخضعت لعزتك أمواجها، ففجرت فيها بعد البحور الأنهار، ومن بعد الأنهار الجداول الصغار، ومن بعد الجداول ينابيع العيون الغزار، ثم أخرجت منها الأنهار والأشجار والثمار، ثم جعلت على ظهرها الجبال فوتدتها أوتاداً على ظهر الماء، فأطاعت أطوادها وجلمودها. فتباركت اللهم فمن يبلغ بنعته نعتك أم من يبلغ بصفته صفتك؟ تنشر السحاب وتفك الرقاب وتقضي الحق وأنت خير الفاصلين، لا إله إلا أنت سبحانك أمرت أن نستغفرك من كل ذنب، لا إله إلا أنت سبحانك سترت بالسماوات عن الناس، لا إله إلا أنت سبحانك إنما يخشاك من عبادك الأكياس، نشهد أنك لست بإنه استحدثناك، ولا رب يبيد ذكره، ولا كان معك شركاء يقضون معك فندعوهم ونذرك، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشك فيك، نشهد أنك أحد صمد لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفواً أحد.

وقال إسحاق بن بشر: عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس، أن عيسى ابن مريم أمسك عن الكلام بعد أن كلمهم طفلاً حتى بلغ ما يبلغ الغلمان، ثم أنطقه الله بعد ذلك الحكمة والبيان، فأكثر اليهود فيه وفي أمه من القول، وكانوا يسمونه ابن البغية، وذلك قوله تعالى:

{ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى***1648; مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً } (سورة النساء:156) .

قال: فلما بلغ سبع سنين أسلمته أمه في الكتاب، فجعل لا يعلمه المعلم شيئاً إلا بدره إليه فعلمه أبا جاد، فقال عيسى: ما أبو جاد؟ فقال المعلم: لا أدري، فقال عيسى: كيف تعلمني ما لا تدري؟ فقال المعلم: إذاً فعلمني، فقال له عيسى: فقم من مجلسك، فقام فجلس عيسى مجلسه، فقال: سلني، فقال المعلم، فما أبو جاد؟ فقال عيسى: الألف آلاء الله، والباء بهاء الله، والجيم بهجة الله وجماله، فتجعب المعلم من ذلك فكان أول من فسر أبا جاد. ثم ذكر أن عثمان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فاجابه على كل كلمة بحديث طويل موضوع، لا يسأل عنه ولا يتمادى.

وهكذا روي ابن عدي من حديث إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مليكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود، عن مسعر بن كدام، عن عطية، عن أبي سعيد، رفع الحديث في دخول عيسى إلي الكتاب وتعليمه المعلم معنى حروف أبي جاد، وهو مطول لا يفرح به. ثم قال ابن عدى: وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد لا يرويه غير إسماعيل وروي ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة قال: كان عبد الله بن عمر يقول: كان عيسى ابن مريم وهو غلام يلعب مع الصبيان، فكان يقول لأحدهم: تريد أن أخبرك ما خبأت لك أمك؟ فيقول: نعم، فيقول: خبأت لك أمك كذا وكذا، فيذهب الغلام منهم إلي أمه فيقول لها. أطعميني ما خبأت لي، فيقول: وأي شيء خبأت لك؟ فيقول: كذا وكذا، فتقول له: من أخبرك؟ فيقول: عيسى ابن مريم.

فقالوا: والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع ابن مريم ليفسدنهم، فجمعوهم في بيت وأغلقوا عليهم، فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم، فسمع ضوضاءهم في بيت فسأل عنهم، فقالوا: إنما هؤلاء قردة وخنازير، فقال: اللهم كذلك، فكانوا كذلك. وقال إسحاق بن بشر: عن جويبر ومقاتل، عن ابن عباس قال: وكان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاماً من الله، ففشا ذلك في اليهود، وترعرع عيسى، فهمت به بنو إسرائيل، فخافت أمه عليه، فأوحى الله إلي أمه أن تنطلق به إلي أرض مصر، فذلك قوله تعالى:

{ وَجَعَلْنَا ***1649;بْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَى***1648; رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ } (سورة المؤمنون:50) .

وقد اختلف السلف والمفسرون في المراد بهذه الربوة التي ذكر الله من صفتها أنها ذات قرار ومعين، وهذه صفة غريبة الشكل، وهي أنها: (ربوة) وهو المكان المرتفع من الأرض الذي أعلاه مستو يقر عليه وارتفاعه مستع، ومع علوه فيه عيون ولدت فيه المسيح وهو نخلة بيت المقدس، ولهذا

{ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } (سورة مريم:24) .

وهو النهر الصغير في قول جمهور السلف. وعن ابن عباس بإسناد جيد أنها أنهار دمشق، فلعله أراد تشبيه ذلك المكان بأنهار دمشق، وقيل ذلك بمصر، كما زعمه من زعمه من أهل الكتاب، ومن تلقاه عنهم، والله أعلم. وقيل: هي الرملة.

وقال إسحاق بن بشر: قال لنا إدريس عن جده وهب بن منبه، قال: إن عيسى لما بلغ ثلاث عشرة سنة، أمره الله أن يرجع من بلاد مصر إلي بيت إيليا. قال: فقدم عليه يوسف ابن خال أمه، فحملهما على حمار حتى جاء بهما إلي إيليا، وأقام بها، حتى أحدث الله له الإنجيل وعلمه التوراة، وأعطاه إحياء الموتى وإبراء الأسقام، والعلم بالغيوب مما يدخرون في بيوتهم وتحدث الناس بقدومه، فزعوا لما كان يأتي من العجائب، فجعلوا يعجبون منه، فدعاهم إلي الله، ففشا فيهم أمره.






التوقيع



آخر تعديل nermine يوم 05-01-2012 في 10:11 PM.
رد مع اقتباس